عندما تُدار وزارة التربية من خارج الإدارة… تصبح الفضيحة نتيجة طبيعية
كتب الباحث منير حرب
١٥ تموز ٢٠٢٦
لم تعد قضية تحويل أموال إلى مدارس غير مخصصة كمراكز إيواء مجرد خطأ إداري عابر، بل باتت، برأيي، مؤشراً على أزمة أعمق تضرب وزارة التربية، عنوانها تراجع الإدارة الرسمية لمصلحة فريق من المستشارين يعمل من خارج ملاك الوزارة، فيما تتراجع مكانة أصحاب الاختصاص والتسلسل الإداري الذي يفترض أن يحكم أي مؤسسة عامة.
وزيرة التربية ريما كرامي سبق أن أكدت، خلال زيارة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، أنها لا تهمّش المدير العام فادي يرق. لكن ما ظهر عملياً، وفق قراءتي، أن هذا الالتزام لم يدم سوى أيام قليلة، قبل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، حيث يستعيد فريق المستشارين زمام القرار، بينما تتراجع الإدارة الرسمية إلى الصفوف الخلفية.
إن أي وزارة تُدار من خارج هيكليتها الإدارية ستدفع الثمن عاجلاً أم آجلاً. وعندما يُتخذ قرار بتحويل أموال عامة إلى مدارس غير مخصصة للإيواء، فإن ذلك يطرح علامات استفهام كبيرة حول آليات المتابعة، ومستوى التدقيق، ومن يتحمل مسؤولية القرار، وهل كان هناك غياب للخبرة الإدارية والرقابة اللازمة قبل صرف الأموال.
وفي هذا السياق، يبرز اسم ماهر الحسنية بوصفه، بحسب ما يُتداول داخل الوزارة، أحد أكثر المستشارين تأثيراً في إدارة هذا النوع من الملفات. وإذا كان هذا الدور قائماً بالفعل، فمن حق الرأي العام أن يعرف حجم المسؤوليات الموكلة إليه، وما هي النتائج التي حققها منذ توليه هذه الملفات.
فالرجل كُلّف سابقاً بمحاورة الروابط التعليمية، لكن الواقع اليوم أن هذه الروابط تعيش حالة إضراب واعتراض على القرارات الأخيرة للوزارة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى نجاح هذا التكليف، وحول جدوى استمرار النهج نفسه.
وفي المقابل، يلفت الصمت الذي يحيط بدور مدير التعليم الابتدائي جورج داوود، الذي عُيّن بالأصالة في عهد الوزيرة نفسها، وكذلك مدير التعليم الثانوي بالتكليف خالد فايد، الذي يُقال إنه ينتظر تثبيته بالأصالة. والسؤال هنا: هل مارست هذه الإدارات دورها الطبيعي في الرقابة، أم أن صلاحياتها تراجعت أمام نفوذ فريق المستشارين؟
أما المدير العام فادي يرق، فإن تهميش موقعه، إن صحّ، لا يضر بشخصه بقدر ما يضرب مفهوم الإدارة العامة واحترام التسلسل الإداري الذي يُفترض أن يكون أساس أي عملية إصلاح حقيقية.
تتحدث الوزيرة دائماً عن الشفافية والإصلاح. لكن الإصلاح يبدأ، أولاً، باحترام الإدارة العامة، لا بإنشاء مراكز قرار موازية خارج ملاك الوزارة. والشفافية لا تُقاس بالشعارات، بل بوضوح المسؤوليات، وبالمحاسبة عند وقوع الأخطاء، وبالاعتراف بالتقصير عندما يثبت وجوده.
كما يبرز اسم المستشار عماد جبوري من خلال مشروع صندوق تمويل المدارس الرسمية (EMIS)، الذي قُدّم على أنه منصة لدعم التعليم واستقطاب التمويل من الجهات المانحة. غير أن انتقادات عديدة وُجهت إلى آلية عمله، إذ أفاد بعض المديرين بأن إدخال بيانات الطلاب يستغرق وقتاً طويلاً جداً، ما يثير تساؤلات حول مدى جاهزية المشروع وكفاءته التقنية. كما أن انتقال فريقه للعمل على ملفات التعليم العالي، رغم ما يقال عن محدودية خبرته في هذا المجال، يطرح بدوره علامات استفهام إضافية حول معايير توزيع المهام داخل الوزارة.
وفي ضوء كل ذلك، يبقى السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً من وزيرة التربية: ما هي الإنجازات الملموسة التي حققها فريق المستشارين الذي يتقاضى، وفق ما يُثار في النقاش العام، مخصصات مالية مرتفعة؟ وما هي الإضافات النوعية التي قدمها كل من ماهر الحسنية وعماد جبوري للوزارة، والتي تبرر استمرار هذا النهج في إدارة الملفات الحساسة؟
إن أفضل رد على الانتقادات ليس البيانات الإعلامية، بل نشر حصيلة واضحة وموثقة لإنجازات هذا الفريق، بالأرقام والوقائع، ليحكم اللبنانيون بأنفسهم. أما استمرار النهج نفسه، في ظل الأخطاء التي تكشف تباعاً، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة بوزارة يفترض أن تكون النموذج الأول للإدارة الرشيدة، لا المثال الذي تُثار حوله الأسئلة يوماً بعد يوم.

