إجازة الاشقر بين الحق الشخصي والإستثمار الرخيص
تقرير البقاع نيوز
في زمنٍ تتكاثر فيه الشائعات أسرع من الحقائق، وتعلو فيه ضوضاء “السوشيال ميديا” فوق صوت العمل الجاد، برزت قضية إجازة رئيس مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم العالي، عماد سامي الأشقر، كأنها مادة دسمة لهواة الاصطياد في الماء العكر. لكن الحقيقة، كما هي دائمًا، أبسط وأنقى من كل الروايات المفبركة.
عماد سامي الأشقر، المسؤول عن أكثر من 1600 مدرسة خاصة منتشرة على كامل الأراضي اللبنانية، لم يكن يومًا موظفًا تقليديًا يؤدي واجبه ضمن ساعات الدوام الرسمي فحسب، بل كان في صلب معركة الحفاظ على استمرارية القطاع التربوي في أصعب مراحل لبنان الحديث. ثلاث سنوات متواصلة، وعلى مدار الأسبوع، لم تعرف أيام العطل طريقًا إليه. حمل عبء التكليف بمهام المدير العام لمدة ثلاث سنوات إضافية إلى جانب مسؤولياته الأساسية، فجمع بين موقعين بحجم وطن، في مرحلة كانت المدارس فيها تتأرجح بين الانهيار المالي والأزمات الإدارية والتجاذبات السياسية.
إجازته الإدارية لمدة 45 يومًا، بعد سنوات من العمل المتواصل، ليست “هروبًا” كما روّج البعض، ولا نتيجة “مخالفات” كما حاولت بعض الصفحات المجهولة الإيحاء، بل حق طبيعي لأي مسؤول أنهكته المسؤوليات. في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُشجَّع الإجازة باعتبارها ضرورة لإعادة شحن الطاقة. أما في لبنان، فيُراد منها أن تتحول إلى تهمة!
وما إن انتشرت الشائعة، حتى كانت الوقفة التضامنية خير رد. مدراء مدارس من مختلف المناطق قصدوا وزارة التربية، لا ليحتجوا، بل ليؤكدوا تمسكهم برجل عرفوه ميدانياً، لا افتراضياً. اجتمعوا به، تمنّوا عليه قطع إجازته دحضًا للروايات الملفقة، فلبّى مطلبهم كعادته، واضعًا المؤسسة فوق راحته الشخصية. هذا المشهد وحده كفيل بإسقاط كل رواية كيدية؛ فالتاريخ الوظيفي لا يُكتب بمنشور، بل بمسار طويل من الثقة المتبادلة.
في زمن الانقسام الحاد، كان الأشقر صلة وصل بين مكونات المجتمع اللبناني. حضر جنوبًا وشمالًا وبقاعًا، لم يسأل يومًا عن هوية مدرسة بقدر ما سأل عن حاجتها. جلس إلى الطلاب على مقاعدهم، استمع إلى همسات قلقهم، رافقهم في نجاحاتهم، وخاطبهم بلغة الأب والتربوي المسؤول. لم يتعامل مع ملف التعليم الخاص كأرقام في جداول، بل كأمانة تتعلق بمستقبل أجيال.
التعليم الخاص في لبنان ليس تفصيلاً، بل ركيزة وطنية تحفظ التعددية التربوية وتخفف العبء عن المدرسة الرسمية. إدارة هذا القطاع، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي، تتطلب أعصابًا باردة، خبرة قانونية، قدرة على التوازن بين حقوق الأهالي وحقوق المعلمين واستمرارية المؤسسات. وهذه معادلة لم تكن سهلة يومًا، لكنها كانت تُدار بعقل بارد وقلب مفتوح.
إن تحويل إجازة إدارية إلى مادة للتشويه يعكس أزمة أخلاق قبل أن يكون خلافًا إداريًا. فالمؤسسات تُقوّى بحماية كفاءاتها لا باستهدافها. والنقد البنّاء حق، أما الافتراء فخطر على الدولة نفسها.
قد نختلف سياسيًا، وقد تتباين الآراء حول السياسات، لكن حين يتعلق الأمر بمسؤول حمل ملفًا وطنيًا بحجم التعليم الخاص في أحلك الظروف، فإن الإنصاف أقل الواجب. لأن التربية ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل مساحة لصناعة المستقبل.
وهنا، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد إدارة تربوية تُكافأ على عملها وتُحصَّن من الشائعات، أم إدارة تُترك فريسة لمنصات تبحث عن ضجيج عابر؟
في وطنٍ يتداعى، يصبح التمسك بأصحاب الخبرة والالتزام ضرورة لا ترفًا. والتعليم، قبل أي شيء، أمانة.

