وزارة التربية… حين تتحول الرقمنة إلى تخبيص غير اعتيادي
كتب الباحث التربوي منير حرب
٢٤ ايلول ٢٠٢٦
يبدو أن وزارة التربية والتعليم العالي قررت أن تدخل عصر التحول الرقمي من أوسع أبوابه، لكن المشكلة أن بعض ما يجري في هذا الملف لا يشبه التحول الرقمي بقدر ما يشبه التحول من نظام كان يعمل إلى نظام يحتاج إلى من ينقذه. فبدل أن تكون المكننة وسيلة لحماية ذاكرة الوزارة وتطويرها، بات السؤال المطروح اليوم: ماذا بقي من الداتا التي جُمعت على مدى سنوات، ومن يتحمل مسؤولية أي خلل أصابها؟ وكيف انتقلت وزارة بحجم وزارة التربية، بما تحتويه من معلومات عن مئات آلاف الطلاب والمعلمين والمدارس، إلى مرحلة إعادة إدخال بيانات موجودة أصلًا على أنظمة الوزارة؟
المفارقة أن الوزارة نفسها أعلنت في كانون الثاني الماضي، عند توقيع بروتوكول التعاون للتحول الرقمي، أن المشروع يهدف إلى تحديث الأنظمة والمنصات، وتأمين الاستمرارية التشغيلية والتعافي من الكوارث، وحماية البيانات والمعلومات السرية من التزوير والقرصنة. فهل ما يجري اليوم ينسجم فعلًا مع هذه العناوين الكبيرة؟ أم أن شعار “التحول الرقمي” أصبح غطاءً لسلسلة من التجارب التي يدفع ثمنها القطاع التربوي من وقته وماله ودقته الإدارية؟
وهنا نصل إلى عماد جبوري، مستشار الوزيرة لشؤون المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، والذي ظهر رسميًا في الوزارة بوصفه المسؤول عن وحدة التحول الرقمي وخطة عملها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح أمام رئيس الحكومة نواف سلام ليس شخصيًا ولا سياسيًا: من وضع خطة التحول الرقمي في وزارة التربية؟ ومن وافق عليها؟ ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟ ومن يملك مفاتيح البيانات؟ وأين تُخزّن؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟
المعلومات المتداولة داخل القطاع التربوي تتحدث عن خلل أصاب بيانات المدارس الرسمية، ولا سيما بيانات الطلاب والمعلمين، بعد الانتقال إلى منظومة جديدة وإعادة العمل على البيانات الموجودة أصلًا. وإذا ثبت أن بيانات سابقة فُقدت أو مُسحت أو تعرضت للتشويه، فهذه ليست “هفوة تقنية” يمكن تجاوزها ببيان إعلامي؛ هذه مسألة تستوجب تحقيقًا تقنيًا وإداريًا مستقلًا، وتحديد المسؤوليات بدقة، ومعرفة ما إذا كانت هناك نسخ احتياطية سليمة، ومن قام بعمليات التعديل، ومتى، وبأي صلاحية.
أما قصة “نيو سيمز”، فإنها تحتاج إلى إجابة واضحة من الوزارة: لماذا يُطلب من مديري المدارس الرسمية إعادة تعبئة معلومات سبق إدخالها إلى نظام SIMS؟ إذا كانت المعلومات موجودة أصلًا، فما القيمة المضافة؟ وإذا كان النظام الجديد مجرد تطوير للنظام السابق، فلماذا لم تتم عملية نقل البيانات بطريقة آمنة ومدروسة بدل إعادة تحميل عبء العمل على المدارس؟ وهل جرى اختبار النظام الجديد بصورة كافية قبل تعميمه على آلاف المدارس؟
الأخطر من ذلك هو ملف السيادة على البيانات. نحن لا نتحدث عن جدول Excel عادي، بل عن معلومات تربوية وإدارية ضخمة تتعلق بالطلاب والمعلمين والمدارس. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل النظام سريع؟ بل: أين توجد البيانات؟ على أي خوادم؟ من يملك صلاحية الوصول إليها؟ من يطوّر النظام؟ من ينسخ البيانات؟ وما هي عقود حماية الخصوصية والسرية؟ وهذه أسئلة تصبح أكثر إلحاحًا كلما كان جزء من العمل التقني يُدار أو يُنفذ من خارج لبنان. أما الحديث عن استخدام أدوات ذكاء اصطناعي لمعالجة بيانات الوزارة، فيحتاج بدوره إلى تدقيق رسمي في الأدوات المستخدمة وسياسات الاحتفاظ بالبيانات وشروط المعالجة؛ فالقول إن كل أدوات الذكاء الاصطناعي “تخزن المعلومات وتجعلها مكشوفة للمتصفحين” ليس قاعدة تقنية عامة، لكن إدخال بيانات حكومية حساسة إلى أي خدمة خارجية من دون ضوابط وعقود وسياسات واضحة هو أمر يستوجب التدقيق بلا شك.
وهنا نطرح السؤال الأكبر على الوزيرة ريما كرامي: كيف سمحتِ بأن يصبح ملف بهذا الحجم من الحساسية خارج السيطرة المباشرة للإدارة العامة؟ الوزارة أعلنت بنفسها أن مشروع التحول الرقمي يتضمن حماية البيانات والمعلومات السرية والتعافي من الكوارث. وبالتالي فإن الرأي العام التربوي من حقه أن يعرف أين أصبحت هذه الحماية عندما بدأت المدارس تتحدث عن مشكلات في البيانات وإعادة إدخال معلومات موجودة أصلًا.
ثم يأتي فصل آخر من التخبيص: فريق ميداني تابع لملف التعليم الابتدائي، يقوم بجمع معلومات واستبيانات من المدارس الرسمية لقاء بدل يومي يبلغ، بحسب المعلومات المتداولة، 120 دولارًا للفرد. والسؤال البديهي هنا: إذا كانت هذه البيانات موجودة أصلًا في نظام SIMS، فلماذا ندفع مرة ثانية لجمعها؟ وإذا كانت البيانات غير موثوقة، فلماذا لم تُكلّف الجهات المختصة في الوزارة بتدقيقها بدل تشكيل فرق جديدة تتحرك بين المدارس؟ وهل هناك تقييم فعلي لحجم الإنفاق مقابل النتائج؟
والأمر لا يتوقف عند ذلك. هناك أيضًا أسئلة حول طريقة إدارة القرارات داخل مديرية التعليم الابتدائي، ومنها ما يُتداول عن إعادة طباعة قرار الدمج بعد ترقيمه وتعديله، وهو أمر يحتاج إلى توضيح رسمي بدل تركه مادة للأخذ والرد داخل الوزارة. الإدارة العامة لا تُدار بالاجتهادات الشخصية ولا بالنسخ المتعددة للقرارات؛ الإدارة العامة تُدار بالتسلسل الإداري، وبمحاضر واضحة، وبمسؤوليات محددة، وبأثر إلكتروني يمكن تدقيقه.
أما فريق المستشارين، فهذه قصة أخرى تستحق فتح ملف مستقل. وزارة التربية ليست شركة خاصة تستطيع أن تفتح عشرات المراكز الاستشارية وتدفع بدلات بلا قياس واضح للنتائج. إذا كان هناك مستشار يتقاضى آلاف الدولارات شهريًا، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما هي مهمته، ما هي مخرجاته، ما هو عقده، من أين يأتي التمويل، وكيف تُقاس إنتاجيته. وهذا ينطبق على كل المستشارين، بلا استثناء، لا على شخص دون آخر.
وإذا كانت هناك أرقام متداولة عن بدلات شهرية مرتفعة لبعض المستشارين، ومنها رقم 8 آلاف دولار لجوليان جلخ، أو أي مبالغ أخرى، فإن المطلوب ليس التصديق عليها ولا تكذيبها عبر الإعلام، بل أن تنشر الوزارة العقود والمهمات ومصادر التمويل والمخرجات، فتسقط الأسئلة بالأرقام لا بالتصريحات.
أما وجود المحامي فهمي كرامي، شقيق الوزيرة، ضمن فريق المستشارين، فهو أيضًا ملف يحتاج إلى الشفافية الكاملة. وزارة التربية نفسها سمّت في إعلانها الرسمي المحامي فهمي كرامي مستشارًا قانونيًا خاصًا للوزيرة، كما سمّت ماهر الحسنية مستشارًا لشؤون التكنولوجيا والتمويل. ولذلك لا نريد تلميحات ولا اتهامات: نريد فقط أن تقول الوزارة للرأي العام ما هي طبيعة المهمة، وما هي قيمة العقد، ومن هي الجهة التي تدفع، وما هي الأعمال المنجزة. الشفافية هنا تحمي الوزيرة قبل أن تحمي منتقديها.
والسؤال نفسه ينسحب على كل المصاريف المحيطة بمكتب الوزيرة: السيارات، الضيافات، السكرتارية، المهمات، الاستشارات، والبدلات. وإذا كان التمويل يأتي من جهات مانحة أو مشاريع مشتركة، فليكن الأمر معلنًا بالتفصيل. المال العام ومال الجهات المانحة ليسا ملكًا لفريق سياسي أو إداري، بل أموال يجب أن تخضع للشفافية والتدقيق.
يا دولة الرئيس نواف سلام، المطلوب اليوم ليس بيانًا دفاعيًا من وزارة التربية، بل تدقيقًا مستقلًا. المطلوب فحص كامل للأنظمة الرقمية، ومقارنة قواعد البيانات القديمة بالجديدة، وتحديد ما فُقد وما عُدّل وما نُقل، وتدقيق صلاحيات الدخول، ومواقع الاستضافة والنسخ الاحتياطية، والعقود التقنية، ومصادر التمويل، وكلفة فرق العمل، وآليات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومن يملك حق الوصول إلى بيانات وزارة التربية.
لأن القضية لم تعد قضية خلاف بين موظف ومستشار، ولا بين مدير ووزيرة. القضية أصبحت قضية ذاكرة وزارة كاملة. بيانات الطلاب والمعلمين والمدارس ليست ملكًا لشخص، ولا لفريق استشاري، ولا لمشروع، ولا لجهة مانحة. إنها ملك للدولة اللبنانية، وحمايتها مسؤولية مؤسسات الدولة.
لقد قيل لنا إننا أمام “تحول رقمي”. جميل. لكن التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من قاعدة بسيطة: لا يجوز أن تخسر المؤسسة بياناتها وهي تحاول أن تحوّلها إلى بيانات رقمية أفضل.
أما إذا كانت النتيجة أن نعيد تعبئة ما سبق أن عبأناه، ونرسل فرقًا ميدانية لجمع ما هو موجود أصلًا، وننقل البيانات من نظام إلى نظام، ثم نستيقظ على بيانات ناقصة أو ممسوحة أو مضطربة، فهذه ليست حوكمة رقمية.
هذه وصفة لفوضى رقمية مكلفة.
والآن، بعدما أصبحت الأسئلة بهذا الحجم، لم يعد كافيًا أن تقول وزارة التربية إنها تعمل على التحديث. المطلوب أن تقول للبنانيين: من يدير هذا الملف؟ من يراقبه؟ أين بياناتنا؟ ماذا حصل للداتا القديمة؟ كم دفعنا؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وجود خلل؟
فالدولة التي لا تستطيع حماية بيانات مدارسها، لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات عن التحول الرقمي؛ تحتاج أولًا إلى أن تعرف من يمسك لوحة التحكم.

