نهار أمس، لم يكن يوماً عادياً في لبنان. كان يوماً ثقيلاً، من تلك الأيام التي تمرّ كأنها حجر على صدر بلدٍ متعب، لا يملك ترفَ الوجع الكامل ولا حقَّ النسيان الكامل.
عليّ… طفلٌ في جنوب لبنان، مرّ صدفةً مع والده قرب سيارةٍ استُهدفت، فالتقطته الغارة قبل أن يفهم لماذا تُكتب نهاياتٌ كهذه في بلدٍ يفترض أن يحمي صغاره.
ومحمد… طفلٌ في طرابلس، لم تقتله حربٌ معلنة، بل قتله بيتٌ سقط عليه مع عائلته. سقفٌ كان يُفترض أن يكون ملجأً صار فجأةً فخاً، وجدارٌ كان يُفترض أن يسند العمر… أسنده إلى الغياب.
في اليوم نفسه، في البلد نفسه، وعلى الأرض نفسها… استُشهد عليّ وسُحبت جثة محمد.
اثنان من الأطفال في لبنان انتهت حكايتهم باكراً. ليس لأنهم اختاروا طريقاً خطراً، بل لأن الخطر في لبنان صار هو الطريق نفسه.
وهنا، يصبح السؤال أكبر من خبرٍ عاجل وأقسى من رثاء.
لماذا يُقتَل أطفالنا على أرضك يا لبنان؟
لماذا يبدو الأمانُ ترفاً مستحيلاً، وكأننا شعبٌ كُتب عليه أن يربّي أولاده قرب الحافة دائماً؟
في دولٍ أخرى، يذهب الأطفال إلى مدارسهم وهم يفكرون في الواجبات واللعب. هنا، يذهبون وهم يحملون في الخلفية خوفاً لا يُقال، وخبرة مبكرة بأن الحياة قد تنكسر من دون مقدّمات.
عليّ لم يمت وحده. معه مات جزءٌ من فكرة الجنوب كبيتٍ لا كجبهة.
ومحمد لم يرحل وحده. معه انهارت فكرة المدينة كحضنٍ لا كركام.

