لم يعد الهدوء الذي أعقب المواجهة الأميركية – الإيرانية الأخيرة سوى “هدنة” هشّة، فيما تعود المنطقة لتقف على حافة تصعيد جديد تتسارع مؤشراته يوماً بعد آخر.
فالأجواء المشحونة، والتحرّكات العسكرية المحدودة، وتبادل الرسائل النارية، كلّها توحي بأنّ غرب آسيا يدخل مرحلة شديدة الحساسية، تختبر قدرة التفاهمات السابقة على الصمود أمام عودة منطق القوة.
عدوان أميركي وردّ إيراني
نفّذت طهران سلسلة ضربات عسكرية مركّزة ومكثّفة باستخدام الطائرات المسيّرة والمسيّرات الانتحارية، استهدفت بشكل مباشر منشآت حيوية ومنظومات دفاعية ومواقع استراتيجية تابعة للجيش الأميركي في كلّ من الكويت وقطر والبحرين، وذلك رداً على العدوان الأميركي، وفقاً لبيان الجيش الإيراني.
وأعلن حرس الثورة في إيران، فجر اليوم، استهداف البنى التحتية والمنشآت الحيوية في أربع قواعد أميركية في الكويت والبحرين، عبر هجمات بالصواريخ والمسيّرات، شملت معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدتي الجفير والشيخ عيسى في البحرين، محذّراً من أنّ أيّ اعتداء جديد سيقابله توسيع نطاق الهجمات ليشمل قواعد أميركية أخرى في المنطقة.
وأوضح الحرس أنّ الاعتداءات الأميركية استهدفت جسرين في المحافظات الشرقية المؤدّية إلى مدينة مشهد، بهدف صرف الأنظار عن مراسم تشييع الشهيد السيد علي خامنئي، مؤكّداً في ختام بيانه أنّ القوات المسلحة الإيرانية لن تترك الاعتداءات الأميركية من دون ردّ.
ورغم أنّ الطرفين لا يزالان يتجنّبان الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فإنّ واشنطن وطهران تبدوان وكأنهما تخوضان معركة من نوع آخر، حيث تسعى إيران إلى تعزيز موقفها التفاوضي وتثبيت الالتزامات الأميركية الواردة في مذكّرة التفاهم، بينما تحاول الولايات المتحدة فرض وقائع جديدة والتنصّل من بنود المذكّرة، وذلك حتى الآن من دون تجاوز الخطوط التي قد تشعل حرباً يصعب احتواء تداعياتها.
وترى طهران أنّ ما يجري يتجاوز حدود الخلاف حول الملف النووي أو البرنامج الصاروخي، معتبرة أنّ الولايات المتحدة تمضي في محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، سواء عبر تضييق الخناق على حلفاء إيران في المنطقة، ولا سيما حزب الله في لبنان، أو عبر محاولة فرض معادلات جديدة في مضيق هرمز، أحد أهمّ شرايين الطاقة في العالم.
لبنان.. إيران متمسّكة بضمان سيادته
وسط هذا المشهد المتوتر، يبرز لبنان باعتباره إحدى أكثر ساحات الاشتباك السياسي حساسية، حيث تحاول واشنطن تطوير الاتفاق بين الدولة و”إسرائيل” ليتحوّل إلى اتفاقية أمنية بالحدّ الأدنى تمهيداً لتفاهمات أوسع، وذلك عبر السعي لفصل المسار التفاوضي عن مسار جنيف مع إيران، ما يمنح الاحتلال أفضلية في فرض شروطه على بيروت.
من جانبها، ترفض إيران بشكل جليّ “اتفاق الإطار”، وترى أنه يخالف مذكرة التفاهم التي تضمن وقف الحرب على الجبهات كافة ووحدة أراضي لبنان وسيادته عليها.
وتشدّد إيران أنه لا يمكن فصل هذه الضغوط عن محاولة إضعاف المقاومة في لبنان وإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية بما ينسجم مع المصالح الأميركية والإسرائيلية. لذلك، تؤكّد طهران باستمرار أنّ أيّ ترتيبات تُفرض تحت الضغط لن تصنع استقراراً دائماً، وأنّ أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على حساب موازين القوى القائمة.
كذلك تصطدم واشنطن بموقف حزب الله الذي عبّر عنه مراراً أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم عندما أكّد أنّ “اتفاق الإطار” لن يمرّ منه أيّ بند في نهاية المطاف، وستبقى المقاومة متمسّكة بمسار التفاوض الأميركي الإيراني.
هرمز.. عقدة الصراع الجديدة
أما مضيق هرمز فقد أصبح عنوان المواجهة الاستراتيجية الأكثر خطورة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات العسكرية في واحدة من أكثر النقاط حساسية على خريطة العالم.
وفي رسالة حملت أبعاداً تتجاوز الجغرافيا، أعادت طهران التأكيد أنّ إدارة المضيق وأمنه يقعان ضمن مسؤوليتها، رافضة أيّ حديث عن إدارة دولية أو ترتيبات تنتقص من سيادتها. وفي هذا السياق، أعلنت القوة البحرية التابعة لحرس الثورة أنّ “الأجانب ليس لهم أيّ حصة في هذه الأرض وفي مضيق هرمز”.
كما حذّرت من أنّ مغامرات الجيش الأميركي وتدخّله في تحديد مسارات المرور، ستواجه ردّاً قوياً، فضلاً عن كونها تؤدّي إلى إحداث خلل جدّي يعوق عملية إعادة الفتح التدريجي للمضيق، وتضع مصالح الدول المستفيدة منه في خطر حقيقي”.
وأكّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، في تصريحات أخيرة، أنّ مضيق هرمز تحت إدارة إيران فقط، معتبراً أنّ أيّ محاولة لتغيير هذه المعادلة تمثّل خرقاً للتفاهمات القائمة مع واشنطن.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على مضيق هرمز وحركة الملاحة فيه، في محاولة لسحب ورقته من إيران التي تتمسّك بإدارته كمكتسب من الحرب وكحقّ لها، والذي تعتبره الأخيرة ضماناً لأمنها ولكبح جماح الأميركي ومنعه من التعرّض للجمهورية الإسلامية متى ما شاء.

