أشار مفتي الجمهوريّة اللّبنانيّة الشّيخ عبد اللطيف دريان، خلال حفل إفطار أقامته دار الفتوى، إلى أنّ “في هذه المناسبة الرّوحيّة والوطنيّة المشهودة، تحضر الإرادة الجامعة، الّتي نضع في اعتبارها وتقديرها المودّة الحاضرة بين اللّبنانيّين، وبخاصّة في الظّروف الصّعبة الّتي يمرّ بها وطننا، والتمسّك باتفاق الطائف، المرجعيّة الوطنيّة الجامعة، هو التمسّك بوحدة لبنان وهويّته العربيّة”، مبيّنًا أنّ “هذا الاتفاق الّذي رعته السعودية بقيادتها الحكيمة والرّشيدة، ثبّت أسس الشّراكة والتوازن بين كلّ مكوّنات الوطن، وأيّ مشروع إنقاذي لا يمكن أن يقوم إلّا على قاعدة اتفاق الطائف”.
ولفت إلى “أنّنا نلتقي اليوم حول مائدة الرّحمن، في الوقت الّذي لا يزال إخوان لنا يتضوّرون جوعًا وعطشًا، تحت القصف الإسرائيلي المتواصل لغزة والضفّة الغربيّة في فلسطين المحتلّة. إنّ مثل الإسرائيلي كمثل الذّئب الّذي إن يفقد مخالبه، لا يفقد طبيعته”.
وتوجّه دريان إلى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، قائلًا: “لقد بدأتم عهدكم بخطاب القَسم، الّذي وضع كلّ المهام والمسؤوليّات الوطنيّة على طاولة الإعلان والإنجاز معًا. وهو الأمر الّذي سارعت حكومة “الإصلاح والإنقاذ” إلى تقريره، وتحويله إلى إجراءات، وإلى مشاريع قوانين، وإلى سير حثيث في اتجاه الإخوة والأصدقاء العرب والدّوليّين”.
وأوضح أنّ “الإدارات والمؤسّسات عادت إلى الاكتمال، وبدلًا من المراوحة بين الاستغاثة وصرخات الأسى واليأس، تجدّدت المسيرة بين العمل والأمل”، مؤكّدًا أنّه “لا يستطيع أحد أن يتجاهل الحملة الكبرى للإغاثة والإعمار في الجنوب، المتعطّش للأمن والإعمار، كما لا يستطيع أحد أن يتجاهل الإسراع لإغاثة طرابلس بطريقة ما كانت تحدث من قبل”.
وأضاف: “يميّز فقهاؤنا بين الاختلاف والخلاف. فالاختلاف ممكن وصحّي، وقد يكون ضروريًّا لاستكشاف سبل الحلول، فهي متعدّدة الأوجه، وفي النّظم الدّيمقراطيّة يكون الاختلاف النّزيه سبيلًا للاستنارة والتسهيل. أمّا الخلاف فكثيرًا ما يكون افتراقًا أو مؤدّيًا لانقسام سياسي، يصبح مع التمادي في التّنافر غير سياسي أبدًا”.
كما اعتبر دريان أنّ “ظروفنا يصعب فيها الاختلاف، فكيف بالخلاف؟ أعرف أنّكم في الإرادة والقرار، لا تقصدون إلى الخلاف أو تريدونه، وتلتمسون دائمًا الحلول الوسط الّتي تنضمّ فيها الحكمة إلى السّياسة”، مشدّدًا على أنّكم “للمرّة الأولى من زمان، تمتلكون هذا المقياس الأعلى، مقياس ثقافة الدّولة وقرارها وعزيمتها، وهو المقياس الّذي غاب كثيرًا من قبل، فتعدّد السّلاح، وتعدّد القرار الاقتصادي، وتعددت السياسات تجاه الجوار والخارج”.
وركّز على أنّ “الدّولة القويّة بقرارها مهما صغرت، تملك قدرًا كبيرًا من الحرّيّة بالدّاخل الواثق، وتجاه الخارج. ونحن نتطلّع -والعهد على مشارفه الواعدة- إلى القرار القوي بمقاييس ثقافة الدّولة الواحدة، والمصالح الاستراتيجيّة للمواطنين”.
وذكر “أنّنا نعرف الصّعوبات جيّدًا، وكثرة المطالب الّتي لا يمكن تلبيتها بسرعة، لكنّنا نعرف أيضًا أنّ المواطن الواثق بسلطته ودولته، يستطيع أن يصبر ويعذر، ولا يضيع الأمل. وهو الأمر الّذي نطالب به أنفسنا والمواطنين في هذا العهد وحكومته، وسوابقه وصنائعه للحاضر والمستقبل”.
إلى ذلك، أكّد دريان أنّ “الاعتداء على المسلم لاختلاف مذهبه حرام، والاعتداء على المسيحي لاختلاف دينه حرام، والاعتداء على الإنسان لاختلاف عرقه أو لونه حرام. لقد علّمنا الإسلام أن نقول للنّاس حسنًا، وعلّمنا أنّ الله خلق النّاس جميعًا من نفسٍ واحدة، وأنّه خلقهم مختلفين، وأنّه هو وحده من يتولّى حسابهم يوم الدّين”.
حضر الحفل بالإضافة إلى الرّئيس عون، كلّ من رئيس مجلس النّواب نبيه بري، رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الرّؤساء السّابقون للحكومة ورؤساء الطّوائف والوزراء والنّواب الحاليّون والسّابقون، وأعضاء السّلك الدّبلوماسي والقضائي والعسكري والاجتماعي والأهلي.

