كتب د أرز مدحت زعيتر
في لحظات التحوّل الكبرى ، لا يُسأل المقاوم : لماذا تُدافع؟
كتب د أرز مدحت زعيتر
في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتعلو فيه حملات التضليل، تعود إلى الأذهان مقولة سيد المقاومة، الأمين العام شهيد الأمة السيد حسن نصر الله:
«الحقيقة ما ترون لا ما تسمعون».
وها نحن اليوم أمام مشهدٍ واضحٍ لا يحتاج إلى كثير من الشرح: المقاومة اللبنانية تخوض حربًا وجودية بكل ما للكلمة من معنى.
منذ أكثر من سنة ونصف، ولبنان يتعرض لاستهدافات يومية من العدو الصهيوني. خروقات جوية، اعتداءات حدودية، اغتيالات، وضربات متكررة. فهل كان العدو ينتظر “ذريعة”؟
التاريخ القريب والبعيد يجيب.
العدو الذي اجتاح بيروت عام 1982 لم يحتج إلى ذريعة. والعدو الذي شنّ حرب تموز 2006 لم يكن يبحث عن مبرر بقدر ما كان يسعى إلى كسر معادلة الردع. من يتابع سلوك إسرائيل منذ قيامها يدرك أن مشروعها قائم على العدوان والتوسع، لا على ردّ فعل عابر. هذا كيانٌ بُني على القوة، ويمارسها حين تسمح له الظروف، لا حين يُستفَزّ.
لذلك، فإن مقولة إن المقاومة “أعطت ذريعة” ليست سوى إعادة إنتاج لروايةٍ تبريرية تريح الضمير العاجز وتغفل حقيقة جوهرية:
العدو لا يحتاج إلى ذريعة، بل يحتاج إلى فرصة.
والمقاومة، في المقابل، تقرأ اللحظة وتختار توقيتها.
اليوم، المشهد الإقليمي مختلف. العدو منشغل بحربٍ مفتوحة تستنزف قدراته، ويتلقى ضربات موجعة من إيران وحلفائها في أكثر من ساحة. هذه ليست مغامرة، بل قراءة دقيقة لتوازنات القوة. الفرصة الذهبية التي تتحدث عنها الوقائع هي أن ميزان الردع لم يعد أحاديًا، وأن المعادلة لم تعد كما كانت قبل سنوات.
المقاومة لا تقاتل لتُشعل حربًا عبثية، بل لتمنع حربًا أكبر، ولتثبيت قواعد اشتباك تحمي لبنان من أن يكون ساحة مستباحة. من يظن أن الصمت كان سيمنع العدوان، يتجاهل أن التجربة أثبتت العكس: كل ضعفٍ يُغري، وكل تراجعٍ يُستثمر.
أما ما بعد الحرب، إن انتهت، فلن يُرسم في تل أبيب ولا في واشنطن وحدهما. الولايات المتحدة قد ترغب في فرض شروطها، وإسرائيل قد تحلم بإنهاء المعركة بصورة نصرٍ واضح، لكن الواقع الإقليمي تغيّر.
إيران اليوم ليست لاعبًا هامشيًا، بل قوة إقليمية كبرى تمتلك أوراق ضغط عسكرية وسياسية واستراتيجية تجعل أي تسوية رهينة توازنات جديدة، لا إملاءات قديمة.
من هنا، فإن ما ستحققه المقاومة لن يكون تفصيلًا عسكريًا عابرًا، بل جزءًا من صياغة مشهد إقليمي مختلف. لبنان ليس الحلقة الأضعف كما يُراد تصويره، بل جزء من محور يمتلك عناصر صمود حقيقية.
قد يختلف اللبنانيون سياسيًا، وقد يحتدم الجدل الداخلي، لكن الحقيقة التي “نراها” لا التي “نسمعها” هي أن العدوان قائم، وأن الردّ قائم، وأن معادلة الردع تُكتب بالنار لا بالبيانات.
وفي لحظات التحول الكبرى، لا يُسأل المقاوم: لماذا تدافع؟
بل يُسأل المتفرج: ماذا كنت ستفعل لو سقطت آخر خطوط.
المقاومة سترسم بدماء شهدائها الحدود وكل الأمان لكل لبنان ، والتسوية اليوم شاملة

