التغطية الإسرائيلية توضح تآكل “المنعة القومية” أمام حرب مفتوحة مع إيران وحزب الله، مع ظهور علامات ضعف في الصمود المجتمعي، الروتين اليومي، الثقة بالحكومة و”الجيش”، بينما يزداد إنهاك المستوطنين نفسياً واقتصادياً.
- لا تتخذ التغطية الإعلامية الإسرائيلية، منذ بدء المواجهة مع إيران وحزب الله، اتجاهاً واحداً، بل تتوزّع على مقاربات تركّز على مظاهر الضعف والتآكل، وأخرى تبرز عناصر الصمود والتماسك والالتفاف حول أهداف الحرب. مع ذلك، حمل الأسبوع الثالث من الحرب المزيد من الشواهد والمؤشرات التي يمكن أن تندرج تحت عنوان تآكل “المنعة القومية”، أو تحمل دلالات ترتبط بها بشكل أو بآخر. وعلى الرغم من أن شواهد ما يعرف بـ “المنعة القومية” الإسرائيلية لا تعكس حتى الآن صورة انهيار، إلا أنه من الواضح أن الاتجاه العام لهذا الانهيار يتحرك صعوداً، ومن المرجح أن تتفاقم الأمور طالما استطاع محور المقاومة الحفاظ على ضرب “روتين الحياة” وفرض “روتين حرب” لأطول فترة ممكنة.
- فيما يلي بعض الشواهد، وهي اقتباسات من المصادر الإسرائيلية، وبعضها من قبيل الإجراءات الحكومية العلاجية أو الوقائية، منعاً لتضرر المنعة أو سعياً لترميمها:
- 1. شقوق في “الصمود الوطني” لدى مستوطني الشمال
- – إعلان الحكومة تخصيص نحو 11.8 مليون شيكل لتعزيز الصمود المجتمعي في البلدات المحاذية للسياج الحدودي في الشمال.
- – تكرار حديث إعلامي حول “شعارات فارغة” أمام سكان الشمال مقابل معايشتهم “عدواً ما يزال يقف أمامنا صامداً ولا يمكن التغلّب عليه”، وأن “هذه الحرب كلها والمعاناة التي نتحمّلها بلا جدوى”.
- – الاعتراف بالدخول المتكرّر لآلاف المستوطنين إلى الملاجئ وقت القصف الصاروخي من إيران ولبنان.
- – تزايد مقولات من قبيل: “سكان الشمال بدأوا يفقدون صبرهم”، وأن “جزءاً منهم يطلب الإخلاء”.
- 2. تشوّش روتين الحياة اليومية
- – انقطاع الكهرباء في مناطق عدة بمدينة “روش هعاين” من جراء سقوط قنابل عنقودية على 4 مواقع وتضرّر الممتلكات.
- – إصابة محطة قطار “سافيدور” بأضرار كبيرة، واحتراق سيارات وإصابة سيارة إسعاف ومتطوع بجروح طفيفة.
- – تسجيل سقوط شظايا في مواقع مختلفة لـ 26 منطقة (لم تُحدّد)، أدت إلى اللجوء إلى الملاجئ في أدنى التقديرات.
- – ابتداءً من الخميس (19-03)، سيُخفّض عدد الركاب في بعض الرحلات المغادرة إثر تضرر 3 طائرات خاصة جراء القصف الإيراني أثناء توقفها في مطار “بن غوريون”.
- 3. العجز عن تفعيل المنظومة التعليمية
- – سُجّلت نسبة أقل من نصف التلامذة عادوا إلى الدراسة.
- – عارضت عشرات السلطات المحلية مخطط وزارة “التربية” ورفضت فتح المدارس بسبب نقص التحصين.
- – أظهر استطلاع رأي أن ثلثي الأهالي يفضلون الإعلان الفوري عن إغلاق جهاز التعليم حتى حلول عيد الفصح في الأول من نيسان/أبريل المقبل، حيث يشعر 82% من أولياء الأمور بضغط متزايد وصعوبة في التعامل مع الوضع، و48% يرفضون فتح المدارس كلياً مقابل 29% يؤيدون العودة بشرط توفير الحماية.
- 4. تآكل الثقة بالحكومة
- – رئيس مجلس “ماتِه آشِر” ينفجر غاضباً: “وعدونا بالأمن – فحصلنا على صواريخ”.
- – تكرار الحديث عن أن الحكومة لا تقدّم للجمهور تقارير واقعية عن وضع الحرب “بل تمطرنا بكليشيهات تخلق توقعات غير واقعية، والتحصين لثلث السكان غير مناسب، والسياسيون يستغلوننا لأغراض البقاء. فهل من المستغرب أننا فقدنا الثقة؟”.
- – بروز فجوة بين ما قالته الحكومة للسكان في الشمال عن أن حزب الله تراجع عشرات السنين إلى الوراء وأنه دُفع إلى ما وراء الليطاني، وبين الواقع على الأرض. المستوطنون في الشمال فوجئوا في الأسبوعين الأخيرين بقدرات حزب الله، إذ كانوا يعتقدون أنه في وضع مختلف تماماً.
- – تأكيد مقولة لدى المراقبين أن السياسيين الإسرائيليين يتمترسون خلف إنجازات الحرب ويغدقون الثناء على “الجيش” والجمهور الذي يُظهر “الصمود الوطني”، إلا أن السياسيين يجمعون في الواقع دعماً سياسياً يسمح لهم بالبقاء في الحكم.
- 5. تراجع الثقة بــ”الجيش”
- – يرفض المتحدث باسم الجيش الاحتلال الإسرائيلي نشر عدد إطلاقات حزب الله باتجاه الشمال.
- – أظهرت دراسة مؤشر صمود الجبهة الداخلية انخفاضاً بنسبة 15% في صمود سكان الجليل والكاريوت (منطقة حيفا).
- – تأكيد معطيات حول فجوة بين تصريحات “الجيش” والواقع الميداني، خصوصاً بعد هجوم 11 آذار، أدت إلى تراجع الثقة العامة إذ نُفيت التحذيرات قبل الاعتراف بسقوط مئات الصواريخ.
- – العملية التي يقوم بها “الجيش” الإسرائيلي في جنوب لبنان ليست مناورة، بل أقرب إلى إعطاء “حبة مسكن” لخفض توتر المستوطنين.
- 6. الشكوى من إعلام إسرائيلي يساهم في “دعاية العدو”
- – مسؤول عسكري رفيع ذكر أن “حزب الله يستغل التغطيات الإعلامية في إسرائيل، خصوصاً ما يظهر من ضغط وفوضى، لاستخدامها كأداة دعائية”.
- 7. انقسام واتهامات في ظل الحرب
- – 30% من السكان ليس لديهم ملاجئ محمية، وإعادة إعمار الشمال تُدار ببطء شديد، بينما مليارات الشواكل، أموال ائتلافية، تموّل التهرّب من الخدمة بشكل مباشر أو غير مباشر.
- – الانتقادات وتبادل الاتهامات السياسية التي خفتت في الأيام الأولى للحرب بدأت تتعزز وتبرز ثغرات إدارة الحرب وتوظيفها في الداخل، كما أنها تتوزّع على منابر وأوساط متعددة سياسية وإعلامية وجماهيرية (مع ذلك فإن مؤشر تأييد مبدأ شن الحرب لا يزال مرتفعاً).
- 8. سرقات متنوعة في ظل الإنذارات الصاروخية
- – الشرطة الإسرائيلية: يستغل إسرائيليون حالات الطوارئ والإنذارات الصاروخية لسرقة المنازل والمتاجر ومحطات الوقود، في وقت يهرع فيه المستوطنون إلى الملاجئ، خلال الأسبوعين الأخيرين.
- 9. إنهاك نفسي وتراجع القدرة على تحمّل حرب طويلة
- – بحسب تقرير، هناك تخوّف كبير من نزوح جماعي من الشمال، ولذلك تم نشر المعلومات حول الرشقة الصاروخية المتوقعة من حزب الله (17-03-2026) للجمهور فقط بعد الظهر، تفادياً لصورة نزوح جماعي من مستوطنات خط المواجهة.
- – شهدت “إسرائيل” في الأسبوعين الماضيين ارتفاعاً في الطلب على الأدوية المنومة، وأدوية التهدئة، والمكملات الغذائية المخصصة للتعامل مع القلق.
- – “ليس من السهل العيش في الشمال. الوضع أكثر تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب بين 2023 و2024، لأن هناك الآن آلاف السكان المقيمين”.
- 10. هشاشة الإحساس بالأمن الشخصي والجماعي
- – تراجع شعور الإسرائيليين بالأمن الشخصي خلال العام الماضي مقارنة بالعام الذي سبقه، فيما سجّل أكبر انخفاض في مدينتي حيفا بنسبة 33.9% و”تل أبيب” بنسبة 33.4%.
- – تعيش الجبهة الداخلية واقعاً صعباً، لا سيما في مدينة اللد، في ظل غياب الجهوزية الكافية للملاجئ، حيث يعاني السكان من نقص واضح في عدد الملاجئ، إضافة لتردّي أوضاع بعضها نتيجة أعطال كهربائية أو تسرب المياه.
- – لا يملك أكثر من عشرة آلاف إسرائيلي في الشمال مكاناً يفرّون إليه، ولا توجد لديهم غرف محصّنة.
- قرار “الجيش” الإسرائيلي نقل مسؤولين عسكريين كبار وأصحاب مناصب حساسة من منازلهم إلى أماكن سكن بديلة.
- – رئيس بلدية نهاريا: “أنا في مكان السقوط الذي وقع في نهاريا، الحرب في نهاريا صعبة جداً وتوقيت الإنذار قليل ونحن أيام صعبة ومركبة”.
- 11. ضغط أمني واقتصادي وضعف التحصين
- – قائد الجبهة الداخلية لرؤساء السلطات في الشمال: “تصرفاتكم قد تحدد من سيعيش ومن سيموت، وهناك أهمية كبيرة لصمودكم”.
- – الأزمة الاقتصادية والأمنية تُقسّم قيادة الشمال حول مسألة البقاء في البلدات. فمن جهة، هناك رؤساء سلطات يعارضون الإخلاء بشكل مطلق، معتبرين أنه “ضربة قاضية” لبلدات قد لا يعود إليها السكان لاحقاً. ومن جهة أخرى، تتصاعد الأصوات التي تقول إنه من دون ميزانيات لا يمكن إبقاء السكان تحت النار.
- – رؤساء سلطات في الشمال يُطالبون بإخلاء فوري لـ 45 ألف مستوطن غير محصنين.
- – رئيس مجلس “شلومي” المحلي قال: “نطالب الدولة بإخلاء السكان الذين لا يملكون وسائل حماية، وخاصة المسنين. ونطالب أيضاً بتعويض سكاننا”.
- 12. تزايد حالات “إخلاءات مؤقتة” من مستوطنات في الشمال
- – بدأت مستوطنة المطلة إخلاء السكان تدريجياً “لفترات مؤقتة تتراوح بين 3 و5 أيام قبل عودتهم”.
- – “أُخليت 60 عائلة من مستوطنة شلومي إلى منطقة نتانيا للتخفيف وإتاحة بعض الاستراحة، كإخلاء مؤقت لمدة أسبوع. وأُبلغ من قبل الصندوق القومي اليهودي بأنهم سيوفرون لـ 800 شخص فرصة الخروج لاستراحة لمدة يومين خلال الأيام القادمة”.
- – مستوطنة “شلومي”: “نطالب الحكومة بإخلاء كل السكان ممن ليس لديهم أماكن محصنة، وهناك قرابة 3 آلاف مستوطن من أصل 10 آلاف في شلومي يجب إخلاؤهم”.
- – حتى الآن فُتح 25 فندقاً لاستيعاب المُهجّرين، مع الاستعداد لسيناريو توسيع القتال، بما في ذلك احتمال إطلاق نار من اليمن باتجاه “إيلات”. في مختلف أنحاء البلاد تم حتى الآن إخلاء نحو 4,000 مواطن من منازلهم إلى الفنادق.
- 13. فجوة السيناريو المرجعي لوزارة المالية
- – افترضت أوساط في وزارة المالية أن تكون الحرب الحالية مشابهة لعملية “الأسد الصاعد” التي استمرت 12 يوماً، وربما أطول قليلاً، لكن هذا التقدير غير قائم على أساس، ولا توجد مؤشرات على نهاية قريبة للمواجهة.
- – السيناريو المرجعي الذي قُدم لوزارة المالية كان يتحدث عن حدث محدود في الشمال، وليس مواجهة واسعة. لكن فعلياً، اتسعت المواجهة مع حزب الله بشكل كبير.
- – مع اتساع المعركة مع إيران وحزب الله، خلافاً للسيناريو المرجعي لوزارة المالية، يُرتقب أن تزيد النفقات الحربية من الأكلاف المباشرة وغير المباشرة التي قد تشكّل ضغطاً على صانع القرار الإسرائيلي والأميركي تصعيداً أو تراجعاً.
- – تكلفة كل يوم من الحرب تُقدّر بنحو مليار شيكل، وتشمل هذه الأرقام النفقات الأمنية المباشرة فقط، دون احتساب التكاليف المدنية أو خسائر الناتج الاقتصادي.
- 14. ملامح تبدّل في السردية الإسرائيلية تجاه حزب الله
- – عندما دخل حزب الله إلى المعركة، بدا وكأن “الجيش” الإسرائيلي احتفل باعتبار أن حزب الله وقع في كمين استراتيجي، لكن بعد أسبوعين يبدو أن “الجيش” نفسه “ليس متأكداً من أننا لسنا نحن من وقعنا في الفخ”.
- – “حزب الله مختلف، فعناصره مسلحون من الرأس حتى القدم، ولديهم خبرة عسكرية كبيرة. ينجحون في تحقيق المفاجأة، ويواصلون إطلاق النار. السكان الذين عادوا إلى منازلهم ظنوا أن الأمر انتهى وأن الردع تحقق، لكنه لم يتحقق

